فلسفة وغايات ومعطيات الشعائر الحسينية 

( القسم : مسائل فقه الشعائر الحسينية )

السؤال :

ماهي غايات وثمرات احياء الشعائر الحسينية للفرد والمجتمع


الجواب :

بسمه تعالى

ليس الهدف والغاية من الشعائر
الحسينيّة كما سبق وأن أشرنا إليه هو مجرد إراقة الدمعة ،والبكاء والتباكي على المصاب الجلل والمصيبة العضمى التي حلّت على سبط المصطفى وأهل بيته الكرام وصفوة أصحابه البررة بل هناك مقاصد عظيمة ، وإضاءات هامّة تستهدف السمو بالفرد والمجتمع والحياة الإنسانيّة كما بيّنا سلفاً .
وما أود الإشارة اليه هنا زائداً على ما
مضى هو أن مجتمعاتنا ومن خلال الموروثات الخاصة بإحياء الشعائر الحسينيّة التي توارثها الأبناء عن الأجداد كلّها تعيش وتعايش بعفويتها وسبحانيتها إيجابيات وإضاءات وإشراقات الثورة الحسينيّة بشكل أو بآخر ربما تكون في بعضها غير ممنهجة وغير ملتفت اليها بالصورة العلميّة الواضحة على الرغم من عمقها وتجذرها وأهميتها في حياتنا الفرديّة والجماعيّة وإن كنا نعيشها فعلاً، وننعم بها .
ومن أجل إيجاد
الأرضيّة والقاعدة لفهم واعي عنها خصوصاً وأننا أصبحنا نعيش في مدنية طغت عليها الماديات وأصبح بريق القيم الروحانية والمعنويّة المثالية يخبو ويخفت لغياب أكثر الخطباء الأفذاذ المعاصرين الذين كان لهم دور تقليدي هام وبارز في رعاية تلك الأجواء الأصيلة التي تشع بنور هدايتها على القلب والمشاعر والسلوك والفكر من على المنابر الحسينيّة مراكز إشعاع الفكر المحمدي الأصيل أشير لبعض أهم معطيات هذه الذكرى الأليمة وشعائرها في حياتنا للتنبيه عليها والدعوة الى المحافظة عليها كجزء لا يتجزأ من أصول موروثاتنا الأصيلة المعطاءة ، وبذل المزيد من الجهود للإلتفات والإلتفاف حول قيمها ومبادئها وأهدافها المقدسة العليا في واقعنا لما فيه خيرها ورخاؤها وعزتها ورفعتها تلك الأهداف التي كانت تقف وراء دور الثورة الحسينيّة المباركة الخالدة وعطاءاتها للأجيال عبر القرون .

المخاطب في الشعائر
الحسينيّة

خاطبت الشعائر الحسينية أعماق الإنسان بكل تضاريسها ومعالمها
وعناصرها
فقد خاطبت الفطرة أولاً لما تمتاز بها من خصائص وخصوصيّات وقيم نبيلة
،ودوافع خيّرة
و خاطبت العقل المنصف النزيه الحصيف ثانياً لما له من حاكميّة على
الإدراك والتصديق بحقائق الأمور ، المبتنية على المقدمات البديهية والعلمية الصحيحة .
و خاطبت القلب الطاهر النظيف من العواطف المزيفة ثالثاً لما له من انجذاب نحو
المقاصد الحقّة واستشعار القرب من الأهداف النبيلة
و خاطبت الوجدان الحر الأبي
رابعاً لإستثارته عند حالة الرفض كل العبوديات الزائفة المصطنعة ومظاهر الإستعباد والإستبداد .
و خاطبت المشاعر اليقظة خامساً لإسترشادها عند سلوك طرق الهداية
والإستمالة
و خاطبت الحس اليقظ من ظلامات الشهوات سادساً لدلالته عند الإستعانة
به على رفض أسر الشهوات .

معطيات الشعائر الحسينيّة


جميع أنماط
وأشكال الشعائر الحسينيّة التي يبرز فيها شيعة أهل البيت ولاءهم ومحبتهم ومودتهم لأهل بيت النبوّة عليهم أفضل الصلاة والسلام وجميع العادات الأصيلة التي توارثها الأبناء عن الأجداد لو نظرنا اليها بإمعان لوجدنا أنّ جميعها تحتضن لها معطيات جليلة ، ولها مقاصد تهدف لغايات نبيلة ومثاليْْة ،ولها مكاسب عظيمة تثري المجتمع بعطاءاتها وإضاءاتها ،و تنتشل الإنسان من أسر الشهوات والعبوديات الزائفة المصطنعة وحياة الضعة والتخلف والضياع .

المعطيات الحضاريّة


(
ما خرجت أشراً
ولا بطراً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدى أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي)
هذه الكلمات التي تتردد على ألسن خطبائنا عن لسان أبي
الأحرار الحسين عليه السلام تعني من الأمر بالمعروف الأمر بالرقي والإزدهار وتأسيس المدنيّة الفاضلة والحياة الكريمة المثالية .
وتعني من النهي عن المنكر محاربة
الفساد بكل أشكاله وصوره ،والجهل التخلف حياة الضعة ، وهذه الأمور بلا شك تعتبر عماد أي نهضة حضاريّة وحركة تصحيحيّة للفرد منّا ولمجتمعاتنا .

المعطيات
السياسيّة

قال مهاتما غاندي الزعيم الهندي البوذي المعروف عن سر انتصار
ثورته ضد الإستعمار البريطاني في الهند : (لقد تعلمت من الحسين كيف أكون مظوماً فأنتصر)
وإباء الظلم ورفض الإستعباد والإستعمار الغاشم ،ومحاربة الأنظمة العميلة
والمستعمرة التي تستذل شعوبها وتتلاعب بقيمها ومبادئها وتمرغ كرامتها في وحل التبعيّة والعبوديّة لغير اللّه تعالى ، وكذا تصحيح مسار الخلافة الراشدة و تمكين القيادة الشرعية من الأخذ بأزمة الأمور وتطبيق الشريعة كلها أمور عنيت بها شعارات الإمام عليه السلام في ثورته وتروج لها المنابر الحسينيّة ،و ديمقراطيّة تناول الشأن السياسي العام والخاص من أهم الأمور التي أولتها المنابر الحسينيّة بالرعاية والعناية .

المعطيات الاقتصادية


الوجبات التي توزع في أيام عشرة محرم
الحرام وبقيّة المناسبات التي تليها في أيام شهري محرّم وصفر تؤمن معيشة الطبقات الفقيرة من المأكل في فترات الوجبات الرئيسيّة على امتداد الفترة الزمنيّة لتلك المراسم والشعائر، وهذا الأمر بدوره بلا شك وبأدنى ملاحظة ينعكس ايجاباً على الوضع الإقتصادي العام ، ويخفف حدة مظاهر الفقر والحرمان في المجتمع .

المعطيات
الإجتماعيّة

الشعائر الحسينيّة كلّها تنعقد بصورة جماعية سواء كانت على هيئة
مجلس خطابي أو موكب عزائي أو مأتم تأبيني أو بقصد تأدية خدمات للمشاركين في جميع الشعائر بصورها المختلفة ، ولا يخفى ما في ذلك من تربيّة إجتماعيّة متعددة الأبعاد والأطر والأهداف ترتقي بالمجتمع من حالة التشتت والتفرق الى تحقيق التآلف والوحدة وتعزيز أواصرالتعاون على البر والخير وتعميق وشائج التآخي والمحبّة بين أفراده خصوصاً في الشدائد والمحن وعند فقد الأرحام و الأحبة والأعزة ،وتحقيق التكافل من خلال جمع التبرعات العينيّة والنقديّة من أجل دعم الفعاليات والأنشطة والمراسيم والشعائر المختلفة والتبرّع بالجهد والمعونة للقائمين على تنظيم فعالياتها ، وإسعاف ونجدة المحاويج والمعتازين والفقراء .
وكل هذه أمور بلا شك تؤصل في المجتمع روح
التكاتف والتآلف والمزيد من التآزر والتعاضد والتآخي وتحمل هموم الآخر ونجدته .

المعطيات الأخلاقيّة


عصمة صاحب الذكرى تستدعي وتسترعي ضرورة عصمة
توجهات أتباعه ومحبيه وشيعته لأنّه القدوة والأسوة والمثل الأعلى الذي يجب أن يحتدى به ، وما القصد من تجديد ذكراه إلا الإحتفاء والإقتداء به وتجديد العهد معه على الأكيد على السير على خطاه وهديه ومنهاج دعوته التي بذل الغالي والنفيس من أجل أهدافه المقدسة ،ومن أجل تحرير الإنسان من أسر الشهوات وقيود إغراءات اللذات المهلكة ،وترك جميع ذمائم الأخلاق ومساوئ السلوكيات الشاذة والتحلي بالأخلاق الفاضلة .
ولو لاحظنا الطريقة المثلى التي تعامل بها عليه السلام مع ألد أعدائه
وأشرار أمته ،وكيف كان مشفقاً رؤوفاً رحيماً بهم يريد لهم النجاة والسعادة ، في الوقت الذي كانوا يجاهرون فيه بمعاداته ويريدون له الموت وسفك دمه ، وفي هذا درس كبير للدعوة الى الترفع عن أسباب الفرقة والشقاق وضرورة استنفاد كل الوسائل الممكنة لدعوة المنحرفين والخارجين عن الشرع والقانون الى العودة الى الإستقامة وبذل نهاية الجهد والمجهود معهم بهذا القصد لإلقاء نهاية الحجّة عليهم .

المعطيات
السلوكيّة

رفض أجواء السلوكيات الشاذّة والمنحرفة على مستوى السلوك الفردي
في أدنى درجات دائرة السلوك وإنتهاءاً الى قمة الهرم المتمثل بالقيادة بشتى صورها في دائرة التوجيه ومركز صنع القرار،ومروراً بالرموز المجتمعيّة من أجل تحرير المجتمعات من التبعيّة للقيادات المنحرفة والرموز الشريرة التي تهدم أكثر مما تبني وتفرق أكثر مما تجمع وتضيع أكثر مما ترشد وتصلح .

المعطيات
الروحيّة

تذكر الموت يهدم الإنغماس بالملذات الدنيويّة ويحرر الإرادة من
الوقوع في أسرها ، وكذلك الشوق للشهادة والإستبسال والتضحيّة يسترخص كل غال ونفيس الأمر الذي تسمو معه الروح وتترفع عن الماديّات مهما كان بريقها ساحراً وآخاذاً ،كما أن استذكار مواقف سيّد الشهداء عليه السلام ومواقف أنصاره والمخلصين من شيعته الذين بذلوا مهجهم دون الحسين وباعوا الدنيا بالآخرة وطلقوا الدنيا وزينتها وزخرفها وزبارجها يسرع الخطى بالمرء نحو التسامي عن المظاهر الدنيويّة والفناء في القيم الروحيّة العالية.

المعطيات القيميّة المثاليّة


طرحت ثورة الإمام
الحسين عليه السلام كمّاً هائلاً من القيم المثالية ووجّه دعوة لا لمناوئيّه الوقتيين فحسب بل خاطب كل أتباع الشهوات والنزوات والإنحرافات والغارقين في وحل المعاصي الى قرنهم ، كما جهد نفسه في المقابل الى مخاطبة شيعته وكذا الأحرار في العالم ،وقد سطّر الكثير من تلك الخطابات بدرجاتها المختلفة من خلال مواقفه المتعددة في صراعه مع الباطل والبغي والفساد بشتى مظاهره وصوره .
وقد حفلت
الشعائر الحسينيّة بالكثير من الإشارات المختلفة الى مواقفه الخالدة تلك ولا يسعنا المجال الى استعراضها لمشهوريتها ومعروفيتها لدى الكل.

المعطيات
النفسيّة

إيقاظ مشاعر النفس ومشاعل الحس لتحسس مصائب الآخرين وابراز الحرقة
والوعة في النفوس لا يمكن لأي مصيبة أن تستثير مكامنها لكل أبناء الجنس البشري كما هو الدور الذي إضطلعت به مأساة الطف واستذكار ما حل على أهل بيت النبوّة عليهم الصلاة والسلام .
كما أن الأثر التي يتركه لطم الصدور وإيلام البدن عند المشاركة
في المواكب العزائيّة الحزينة يجعل كل نفس تتذوق ألم مصاب فلذة كبد رسول اللّه ومشاركة الأسى وحزن صاحب العزاء وهو الرسول الأعظم في مصابه فيه وفي ذلك من الجوانب التربويّة والايخفى.

المعطيات العاطفيّة


الشعائر الحسينيّة تصقل
العاطفة من خلال التصوير الدرامي في مخيلة المعزين لمجريات الأحداث المؤلمة التي حلّت على أشرف خلق اللّه تعالى وأقربهم عنده منزلة فتشتعل جذوة الوجد والأسى والحزن و تستثير العواطف.
ولو تصورنا خلو مجتمعاتنا منها لكانت أمة ميتة الضمائرأمة
مريضة المشاعر أمة متباعدة القلوب متنافرة الدروب لا تجتمع على فضيلة قط ، ولا تحتف أو تستنير بأعلام هداية ، تلهث وراء كل غواية ، وتتهافت على تحصيل كل نزوة واقتناص كل شهوة تجاري في ذلك البهائم في الملذات بل تنحط عنها في أسفل الدرجات.
وهذا
بحد ذاته من الأمور التي جهدت كل شرائع الأديان الإلهيّة في مقاصدها العليا لهداية العالمين إليها لكنها لم تتحق في صورتها المثالية المتكاملة إلا على يد خاتم الرسالات النبي المصطفى وأهل بيته السادات عليهم أفضل الصلوات والتحيات والتي تتلخص ثمراتها في تحقيق إنسانية الإنسان ،وتطبيق مبادئه المثالية السامية ،وتنمية قيم الخير فيه ، التأكيد على نزاهة دوافعه ، وتفعيل الرقابة الإلهيّة على وجدانه ووجوده وحركاته وسكناته ،وتربي في الإنسان كيف يتحسس هموم الآخرين .

المعطيات
الأدبيّة

يعتبر التراث المأثور من أدب الرثاء والندب بقسميه المنظوم
والمنثور الخاص بسرد واقعة كربلاء وبيان ما حل على أهل بيت النبوّة من مآسي ومصائب وتجاوزات وهتك لحرمتهم أعظم تراث أدبي أفرزته عواطف الإنسان العربي وكل أصحاب لغة أخرى دان أهلها بالولاء والمحبّة لأهل البيت عليهم السلام ، كما هو مألوف ومتعارف ومتسالم عليه في الأدب الفارسي والهندي والتركي والألباني وغيرها .
وقد أكد هذه
الحقيقة وصححها جمع من أساطين الأدباء وفطاحل البلغاء والشعراء ، بشهادة الكثير من المصنفات المعقودة في ذلك ودواوين الشعر وكتب المنثور .



طباعة   ||   أخبر صديقك عن الإستفتاء   ||   القرّاء : 5193  

ركن مسائل التقليد

 

ركن مسائل العقائد

 

ركن الاستفتاءات الفقهية

 

ركن مسائل الأخلاق والسلوك

 

ركن الاستخارة وتفسير الأحلام

 

ركن مسائل شؤون الحوزة العلمية

 

ركن مسائل الثقافة و الفكر

 

ركن المسائل الطبية الفقهية

 

ركن مسائل العلوم والتاريخ

 

ركن مسائل الحكومة والدولة في الإسلام

 

ركن مسائل التفسير

 

ركن المسائل السياسية

 

ركن مسائل علوم القرآن

 

ركن مسائل علوم الحديث

 

ركن مسائل الفلك والاسلام

 

ركن مسائل ليلة القدر

 

ركن المدرسة الأخبارية

 

جديد الإستفتاءات :



 كيفية تحقق الجنابة للمرأة

 زيارة الائمة عن بعد

 تبادل المشاعر بين الأقرباء والأصدقاء

 الغسل الترتيبي في بركة يقع فيها ماء الغسل

 الاستحمام قبل غسل الحيض

 تفسير الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي

 تكليف المرأة بعد الولادة

 شرب حلب ثدي الزوجة عند المداعبة

 زواج رجل بامرأة بدون علم أهله

 استثمار اموال الشعائر في اكتتابات

 

إستفتاءات منوعة :



 لبس البالطو

 هل يمتنع الأخباريون عن الصلاة خلف الأصوليين

 ما حكم صلاة الآيات؟

 تأخير الطالب للصلاة بسبب بعض المحاضرات الدراسية

 اذا ثبت العيد للمسافر خلاف بلده

 القاب الزعامات الدينية عند الشيعة

 الصور المنسوبة لأئمة اهل البيت عليهم السلام

 امتناع الزوجة عن زوجها فترة الخطوبة

 دخل بيع المعسل في قهوة

 الحج فيما لو اختلف في تعيين الموقف في عرفات للاختلاف في هلال ذي الحجة

 

أرشيف الإستفتاءات

 

أرسل إستفتاء

 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام الرئيسية : 17

 • عدد الأقسام الفرعية : 92

 • عدد الإستفتاءات : 1465

 • تصفحات الإستفتاءات : 8650097

 • التاريخ : 22/09/2017 - 07:19