موقع المرصد الفلكي الإسلامي

 • الصفحة الرئيسية للقسم
 • مشروع المرصد الفلكي الاسلامي (1)
 • مشاهدة رصد الهلال والقمر (0)
 • صور لفعاليات الاستهلال (3)
 • محاضرات ودورات فلكية (0)
 • افلام فلكية للمشاهدة (0)
 • برامج فلكية للتحميل (0)
 • موضوعات وبحوث فلكية (28)
 • دراسات فقهية فلكية (9)
 • اجهزة الرصد القديمة (7)
 • اجهزة الرصد الحديثة (3)
 • تاريخ المراصد الفلكية (0)
 • المراصد الفلكية في العالم (0)
 • التصوير الفلكي (2)
 • موسوعة الصور الفلكية (0)
 • تاريخ الفلك قبل الاسلام (2)
 • تاريخ الفلك عند المسلمين (21)
 • تاريخ الفلك عند غير المسلمين (0)
 • التقويم الاسلامي ( مفكرة المسلم ) (0)
 • ( تقويم الحياة ) (0)
 • التقويم الفلكي (0)
 • المنتدى الفلكي (0)
 • نتائج تحري اثبات أهلة الشهور وتحديدليالي الاستهلال (10)
 • مواقع فلكية (1)
 • تصريحات فلكية في الصحف والمجلات (10)
 • انواع التقويم وكيفية اعدادها ومعاييرها (1)
 • مشاريع فلكية شرعية تم انجازها (0)
 

الجديد :



 منظر بزوغ القمر و انعكاسه على سطح البحر

 الناصر: اللحيدان يتحمّل أخطاء هلالي شوال وذي الحجة

 1 - تاريخ بدء الشهر القمري (متجدد)

 2 - رصد التربيع الأول للقمر (متجدد)

 3 - رصد البدر (متجدد)

 4 - رصد التربيع الثاني للقمر (متجدد)

 5 - تاريخ الاقتران وتقرير الولادة الفلكية للهلال (متجدد)

 6 - تاريخ بدء المحاق الشرعي (متجدد)

 7 - تاريخ ليلة تحري مطلع هلال الشهر القمري (متجدد)

 8 - صورة محاكاة الأفق وبيان مطلع الهلال لرصد هلال الشهر القمري (متجدد)

 

ملفات عشوائية :



 مظاهر من ريادة الحضارة الإسلامية في العلوم الكونية

 توسع الكون بين الغزالي وابن رشد

 ااستغرب كثرة شهود الرؤية في‮ ‬البحرين

 مذنبات قوية الإضاءة تقترب من البحرين في الأشهر القادمة

 رواد علم الفلك العرب والمسلمين وأهم مؤلفاتهم.

 بن الهيثم رائد علم الضوء الحديث

 2 - رصد التربيع الأول للقمر (متجدد)

 معلومات هامة عن القمر

 رسالة اثبات جهة القبلة للشيخ البهائي

 الآت الرصد القديمة

 

أرشيف المواضيع

 

إحصاءات الأقسام النصية :

 • الأقسام الرئيسية : 37

 • الأقسام الفرعية : 282

 • عدد المواضيع : 607

 • التصفحات : 7566596

 • التاريخ : 19/10/2019 - 21:00

 
  • القسم الرئيسي : موقع المرصد الفلكي الإسلامي .

        • القسم الفرعي : موضوعات وبحوث فلكية .

              • الموضوع : المعرفة العلمية في الحضارة الإسلامية .

المعرفة العلمية في الحضارة الإسلامية

المعرفة العلمية في الحضارة الإسلامية

الروح والإبداع

عبدالأمير المؤمن

بالرجوع إلى الماضي الحاسم وبتذكر سيادة الحضارة العلمية الإسلامية بين القرنين الثالث والسابع الهجريين على كل العالم. هذا الرجوع، وهذا التذكر يمكن ان يُخفّف من غلواء (عقدة التفوق العلمي الغربي)، العقدة التي اصابت تفكير الكثير منا، وزرعت في نفوسهم (روح التكاسل)، وكرّست (روح التبعية). فالعلم علمهم والتقدم تقدمهم والدور دورهم والزمن زمنهم، ولا شيء لنا من المعرفة العلمية في هذا الزمن، ولا دور لنا في الوقت الحاضر، انتهت حضارتنا العلمية وذهبت، وخبا نورها، واصبح لزاماً علينا ان نستضيء بضوء العلم المعاصر (الغربي) شئنا ام ابينا.

ومع الاعتراف بهذا الواقع، وان العلم الغربي قوّة حضارية صارخة في هذا العصر، واننا الخط التابع، والتالي لهذا العلم. مع كل هذا ينبغي ان لا تفوتنا نقطة مهمة جداً، وهي:

ان هذا العلم الغربي المعاصر، وهذه القوة الحضارية الدافقة، هي حلقة ضمن سلسلة من الحلقات، أو دورة ضمن تاريخ طويل، بدايته بداية الإنسان الاول على الارض. لم يصل العلم الحاضر إلى هذه القوة الجبارة المسيطرة، من لا شيء، لم يقم دون ان يرتكز على اعمدة ويستند إلى اسس، قريبة وبعيدة.

العلم الغربي المعاصر، هو ـ في الوقت الحاضر ـ نهاية سلسلة طويلة من الحلقات، وستتلوه حلقات اخرى. لا نعرف ما طبيعتها وإلام تنتمي وما مدى نهايتها!!

لقد ابتدأ العلم بأشكال بدائية، غير واضحة، لتوغلها في عمق التاريخ(1) ابتدأ بقدح حجرين للحصول على شرارة نار يشوي بها ذلك البدائي الخائف لحم صيده، وابتدأ ايضاً باستخدام شفرة صخرية لتمزيق اجساد صيده وتقطيع لحومها، أو لمجابهة اعدائه الكُثر، وابتدأ بحفر مغارات وكهوف بسيطة يأوي اليها في ليله ونهاره في امنه أو خوفه، يتّقي بها من عاديات الطبيعة.

وبنى اللاحقون حضاراتهم وعلمهم على ما توافر لديهم من اوليات ومعلومات بدائية متوارثة.

عرفوا السماء وبعض اجرامها، وقليلاً من ظواهرها، وعرفوا بعض العلاجات البسيطة درءاً للآلام، واشياء اخرى. وقام العلم المعاصر بعظمته وشموخه، على تلك الاوليات والاسس البسيطة، وعلى الحضارات اللاحقة (المتطورة نسبياً) على حضارة وادي النيل (المصرية القديمة) وعلى حضارة وادي الرافدين (السومرية والبابلية والاشورية) وعلى الحضارة الصينية والهندية والفارسية والاغريقية وغيرها من الحضارات التي سادت قديماً، وعلى الحضارة الإسلامية اخيراً، حيث كانت حضارة فريدة بين كل حضارات العالم القديم.

بتذكر تلك الحضارات وما افرزت من مادة علمية قيمة (قياساً إلى زمنها.، وبتذكر حضارتنا الإسلامية آخر لبنه من تلك اللبنات الحضارية المتعددة. واعمق الاسس واعلى الاعمدة التي صعد فوقها السلم الغربي المعاصر، بتذكر ذلك، تخفّ غلواء (عقدة التفوق العلمي الغربي؟ العقدة التي شلّت الكثير من العقول والايدي عن التطلع إلى ما هو افضل واحسن.

وعلى هذا تصبح قوّة العلم الغربي المعاصر وتطوره السريع، مسألة (دورة حضارية) لا اكثر ولا اقل، يمكن دراستها ومعرفة اسبابها وما رافقها من ملابسات، وان هناك دورات حضارية علمية لا تقل اهمية عن الدورة المعاصرة. إذا اخذنا بنظر الاعتبار زمنها القاصر. بل كانت (دورة العلم الاسلامي) عالمية قياسا إلى ما كان سائداً من

_________________________________

1- جاء في موسوعة رينيه تاثون في تاريخ العلوم «ان البشرية موجودة منذ ما يقارب مليوناً ونصف المليون من السنين، ولكن نمو الفكر ظل مجهولاً تماماً، طيلة مئات من القرون، لعدم وجود شواهد مادية، غير الصناعات الحجرية.  ثم فجأة، وفي القسم الاخير من عصر الحجر المقصوب، ظهر الفكر البشري لنا من خلال المدافن والادوات الفنية، والمحفورات، والتصاوير والمنحوتات.  هذه الحقبة تغطي على الاكثر الخمسين الف سنة الاخيرة.  اما الحقب السابقة فلا نعرف عنها شيئاً، لان الناس يومئذ لم يهتدوا إلى وسيلة تعبير معمرة ومفهومة منا.  وأخيراً، وخلال العشرة آلاف سنة الاخيرة، اخترع الإنسان كل شيء واكتشف كل التقنيات منذ دولاب الفاخوري حتى استخدام الطاقة النووية.  تاريخ العلوم العام ج1 ص 11، اشراف رينيه تاثون: ترجمة د.  علي مقلد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت 1988 ط.

 

علم وفكر علمي متخلف في القرون الوسطى. فاذا قارنا بين العلم عند المسلمين والعصور الاوربية المظلمة، وبين عصر العلم الغربي الحاضر وحاضر المسلمين، وجدنا انفسنا بخير قياسا إلى ما كان الغرب عليه في عصره المظلم وخرافاته وشعوذاته التي لا حد لها.

ويكفي ان نذكر مثلاً واحدا في هذا الصدد، ذكرته المستشرقة ريغريد هونكه بقولها «بينما كان شارل الاكبر يجهد نفسه في شيخوخته لتعلّم القراءة والكتابة، وبينما امراء الغرب يعترفون بعجزهم عن الكتابة أو القراءة، وفي الاديرة يندر بين الكهنة من يستطيع مسك القلم، لدرجة انّه في عام 1291 لم يكن في دير القديس جالينوس من الكهنة والرهبان من يستطيع حلّ الخط، بينما كان هذا كله يحدث في الغرب، كانت آلاف مؤلفة من المدارس في القرى والمدن تستقبل ملايين البنين والبنات يجلسون على سجادهم الصغير يكتبون بحبر يميل إلى السواد فوق الواحهم الخشبية، ويقرأون مقاطع من القرآن حتى يجيدونها، ويجوّدون ذلك معاً بلحن جميل عن ظهر قلب ثم يتقدمون خطوة تلو الاخرى في المبادىء لقواعد اللغة.»(1)

من هنا ـ ونحن نركّز على العلم الغربي المعاصر ـ واضوائه الباهرة، ينبغي ان لا نقع تحت تأثير (فوتونامه)(2)القاتلة فنُصاب بالعمى والشلل، ينبغي ان نعمل ونجتهد تحت اضوائه العادية غير الضارّة، لنكشف ما خفي علينا وما نسيناه، ولنعرف كيف نخطو الخطوات الجريئة الاولى، وكيف نستطيع اعادة البناء العلمي القديم وتجديده على وفق مقاييس صحيحة وجديدة.

ان المعرفة العلمية في الحضارة الإسلامية، هي هويتنا الإسلامية أو بعض هويتنا، قامت واعتمدت على دعامتين اساسيتين صُلبتين هما: الروح أو الايمان، والابداع على غير مثال سابق. وهذا ما لم يتوافر في العلم المعاصر.

المقصود بالعلم

وقبل ان ندخل في صميم بحثنا هذا، ينبغي ان نحدد ـ وبشكل موجز ـ ما نقصده من كلمة «العلم» في هذه الدراسة، والمراحل التي مرّ بها في تاريخه الطويل، كي لا يلتبس علينا الامر وتتداخل المعاني والمفاهيم، وتدخل علوم وموضوعات اخرى ليست من صميم «العلم» الذي نريده هنا ـ فالعلم هذه الكلمة العامة، تعددت مصاديقها وفروعها، وكثر الاختلاف حولها، وحول ما تشمل وما لا تشمل من فروع.

وفي الخط التاريخي الطويل، وجدنا لكلمة «العلم» مصان ودلالات مختلفة، انبثقت من العصر الذي عاشت فيه. ففي الحضارات القديم الكبرى ـ كحضارة وادي النيل، وحضارة وادي الرافدين كان العلم ممزوجاً بالدين بالخرافة بالالهة بالسحر، وكانت الآلهة ورجال الدين والكهنة هم العلماء القيّمون على «العلم».

وفي العصر الاغريقي ـ على امتداد ـ كانت كلمة «الفلسفة» تعني «العلم» فتضم كل العلوم المعروفة آنذاك من

_________________________________

1- شمس العرب تسطع على الغرب، سيغريد هونكة، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي ص 393، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت 1981 ط5.

2- «Photon» وهي وحدة الكم الضوئي في الفيزياء، وهي كلمة يونانية يمكن ترجمتها بقبسة ضوئية في اللغة العربية، ومن الفوتونات القاتلة «اشعة جاما».

 

فيزياء وطب ورياضيات وغيرها فكان طاليس وديمقريطيس وارسطو غيرهم، فلاسفة وعلماء في نفس الوقت.

وانتقلت الكلمة إلى الحضارة الإسلامية وترجمت (فيلوصفيا) اي الفيلسوف، إلى محب الحكمة(1)، فكانت الفلسفة أو الحكمة تعني العلم، وتشمل كل العلوم المعروفة ايام سيادة الحضارة الإسلامية، من طب وكيمياء وهندسة وفيزياء ونبات وحيوان وما إلى ذلك.

وقد ظلت الفلسفة تضم جميع العلوم في العصر القديم والوسيط حتى مطلع العصر الحديث حينما بدأت العلوم تنفض عنها غبار الفلسفة واداتها المنطق(2).

وكانت «اكاديمية العلوم الفرنسية» التي انشئت سنة 1666 اول من استخدم كلمة علم أو علوم (Science) لتعني العلوم الطبيعية التجريبية بمعناها الراهن، ثم استخدمتها بعد ذلك «الجمعية البريطانية لتقدم العلوم» التي انشئت سنة 1831.

واليوم حدد مدلول كلمة العلم، وصارت تختص بلون معين من المعارف، هو الذي يتضمن التجربة والمشاهدة والاختبار، وهو ما يسمى الآن بالعلوم الطبيعية، من كيميائية وجيولوجية ورياضية وطبيعية وفلكية ونباتية وحيوانية، وتطبيقاتها في الهندسة والطب والزراعة والصيدلة والبيطرة وما اليها، وقد تعددت هذه العلوم وتشعبت حتى غدا من المستحيل على عالم واحد ان يلم باطرافها(3).

وفي المعاجم الحديثة: «يطلق العلم حديثا على العلوم الطبيعية التي تحتاج إلى تجربة ومشاهدة واختبار، سواء أكانت اساسية كالكيمياء والطبيعة والفلك والرياضيات والنبات والحيوان والجيولوجيا أو تطبيقية كالطب والهندسة والزراعة والبيطرة وما اليها»(4).

هذا هو المقصود بالعلم في دراستنا هنا، وفيها نكون قد استبعدنا كل جانب لا يمت إلى التجربة والاستقراء والملاحظة بصلة، فلا تدخل الفلسفة، ولا الادب ولا التاريخ ولا ما شابهها من العلوم.

اهمية البحث العلمي

لعلّ من البديهي القول اننا ـ نحن المسلمين ـ ومنذ النهضة العلمية الحديثة، لم نعد كيانا علميا ذا اهمية، فلم نهتم بالجانب العلمي من الحضارة، كأهتمامنا بالجوانب الاخرى. بل يمكن القول ان مساهمتنا كأمة علمية فاعلة انحسرت عن التاريخ العلمي، قبل هذه الفترة، فالانجازات العلمية الكبرى انتهت أو خفّت بعد القرن التاسع الهجري.

انتهت بانجازات مدرسة مراغه الفلكية بقيادة نصير الدين الطوسي المتوفي سنة 672 هجرية، وافكار ابن الشاطر التوفي سنة 777 هجرية، وغياث الدين الكاشي المتوفي سنة 832 هجرية، والغ بك المتوفي سنة 853 هجرية.

وفي القرون الاخيرة، وفي القرن الحاضر بالذات، صرنا امة مقلّدة علمياً، تعتمد على الغير، وتأخذ الافكار والانجازات العلمية من الآخر (الغرب).

_________________________________

1- تاريخ الفكر العربي إلى ايام ابن خلدون، عمر فروخ ص 19، دار العلم للملايين بيروت 1983 ط 3.

2- مجلة عالم الفكر، المجلد التاسع العدد الاول سنة 1978 ص 98، وزارة الاعلام في الكويت.

3- تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، عبدالحليم المنتصر ص 10، دار المعارف بمصر 1969 ط3.

4- المعجم الوسيط، تأليف جماعة، ج2 ص 624، اوفست دار احياء التراث العربي بيروت ـ لبنان.

 

ولعلّ من البديهي ايضاً القول ان الهوة بيننا وبين الغرب، اصبحت اليوم اكثر اتساعاً من ايّ وقت مضى. فالتقدم العلمي المتسارع لم يفسح لنا ايّ مجال للوصول إلى نقطة البداية، لننطلق في ساحة العلم، إلى خط التوازي مع الغرب، انهم ابعد منا بكثير.

ولا شك ان لهذا التسارع العلمي الغربي والركود العلمي عند المسلمين اسباباً ونتائج. ومن نتائجه، صرنا نعيش ضمن موجة من الايحاءات المثبّطة أو القاتلة للحركة والابداع. فاصبحنا متواكلين متقاعسين، خدّرتنا الاجهزة العلمية الجاهزة، وصار الكثير منا يتساءل لماذا الجهد والسهر، وكل شيء وفّره الغرب؟! وحتى لو جهدنا وسهرنا فسنبدأ من حيث بدأ قبل قرون، وعلى هذا، فنحن في غنى عن تلك القرون وتلك البداية، لقد كفونا مؤنتها، لقد بدأ الغرب وتابع وتطوّر فليكمّل هو الشوط، ولنستفد مما وصل إليه!!

هذا النوع من التفكير وارد في اذهان الكثير منا، شئنا ام ابينا، ايحاءات صارمة نفذت إلى اعماقنا، صرنا نعيشها من خلال ما نسمع وما نرى وما نحس من انجازات الغرب المتدفقة.

فاصبحنا في الوقت الحاضر، تابعين وضعفاء في الجانب العلمي، وحده، لا في الجوانب الحضارية الاخرى، فلسنا ضعفاء في الجانب الديني والفكري، ولا الادبي والمعنوي، فديننا الاسلامي بخير، وفكرنا بخير أيضاً وادبنا وشعرنا معطاءان ورائعان.

لكن هذه الجوانب الايجابية والمعطاءة غير كافية في الوقت الحاضر، فلا نستطيع ان نملأ هذا العصر العلمي الذي يعجّ بالمنجزات العلمية والتكنولوجيا الداخلة في كل اجزائنا.

نحن ـ اليوم ـ بحاجة إلى عطاء وخير من نوع آخر، يوازي الجانب المعنوي والادبي، يسير معه، ولا يعارضه، بحاجة إلى ان يتعانق الجانب العلمي والمعنوي ليكونا حزمة واحدة قوية تنفذ في قلب العصر، وتقف في وجه التيار الغازي من الخارج، والا فسمةُ الضعف ستلازمنا، لاننا لا نستطيع ان نستغني عن الشطر الاخر (الجانب العلمي والتكنولوجي).

والحقيقة نحن اقوياء، ذوو حضارة عظيمة، سادت كل القرون الوسطى وطغت على كل مساحتها.. ولكننا عُرفنا اكثر ما عرفنا، بالجانب الادبي والشعري ـ اضافة إلى الجانب الفكري ـ عرفنا كحضارة ادبية شعرية ملأ ادبها وشعرها الدنيا كلها. فنحن معروفون ـ على نطاق واسع ـ بالمتنبي وابي تمام والبحتري وابي فراس والجاحظ وغيرهم، عُرفنا اكثر ما عرفنا من خلال تراث هؤلاء وامثالهم، فتراثهم واضح وقريب إلى القلب والعواطف والاذهان. والكتب التي الفت في هذا الجانب اكثر من ان تحصى. وحين كثرت المطابع ودور النشر ودور التحقيق، بدأت تنتشر بشكل واسع وتخرج من ظلمات الاقبية والخزائن والمكتبات ـ وتحضر في كل مكتبة وجامعة ومؤسسة وكثير من البيوت.

هذا الانتشار في الجانب الادبي والشعري وهذا الاتساع، لم يقابله انتشار واتساع في الجانب العلمي، لا لاننا لا نملك هذا الجانب أو ان قليل.. لا.. بل لاننا لم نفهمه بمستوى ما نفهم التراث الادبى والشعري، انّه تراث صعب الفهم اولاً، ولا يدخل القلب والعواطف ثانياً. فظلّ في طيات الزمن والخزائن المظلمة والاقبية النائية.

لكننا وحينما دخلنا العصر العلمي الجديد، وعرف الناس طعم العلم وفائدته وروعته، ابتدأ الباحثون في التنقيب عن هذا اللون من المعرفة.. وكان السبّاقون إليه هم الغربيون والمستشرقون. فارشدنا إليه وكشفوا دخائره، ودلونا على مضانه، وكتبوا فهارس له وببلوغرافيات متنوعة عنه. ثم كتبوا دراسات وبحوث متنوعة في هذا التراث، كتبوا في تاريخ الطب، وتاريخ الفلك وتاريخ الكيمياء والفيزياء والرياضيات وغيرها من العلوم، هذا فضلاً عن تحقيق الكثير من مخطوطاته(1) وتبعهم في ذلك العلماء والباحثون من العرب والمسلمين، من هنا توافر عدد من كتب التراث العلمي الاسلامي، عرفنا من خلالها الكثير من علم الاجداد، العلم الذي بهر العالم، يوم كانت الحضارة الإسلامية، هي حضارة العالم كله.

من هنا لابد ان ننظر إلى ما نملك من علم وتراث علمي، نظرة جديدة فاحصة وواعية. لابد ان نعترف اننا لم نكن نعطيه قيمة في الامس القريب، يوم كانت كتب التراث العلمي الاسلامي نائمة في الزوايا والخبايا والحُجر المظلمة. نعترف اننا نملك اكبر واغلى ثروة علمية في العالم، نملك مؤلفات علمية، كانت في يو ما، في العصور الوسطى ارقى الكتب في العالم. احتوت اعلى مستويات العلم آنذاك، نملك مؤلفات البيروني في الفلك والرياضيات والجيولوجيا، منها (القانون المسعودي في الهيئة). ونملك عددا كبيرا من الازياج (الجداول الفلكية) وعددا كبيرا أيضاً من اهم كتب الطب في العصور الوسطى، حيث لم يكن هناك طب ارقى من الطب الاسلامي، منها: كتاب القانون في الطب لابن سينا، والحاوي، وكتاب الجدري والحصبة للرازي وغيرها. ونملك كتاب الجبر والمقابلة للخوارزي وكتاب ميزان الحكمة للخازني وغيرها وغيرها الكثير الكثير من المؤلفات العالمية، التي بلغت قمة العمل العلمي، في العصور الوسطى، عصور الظلام الاوربي.

لقد كان العلم الاسلامي، اهم علم في تاريخ القرون الوسطى، وحين انحسرت الحضارة الإسلامية أو خفّ بريقها بعد القرن التاسع الهجري، نسي هذا العلم وضاع في خضمّ الجهل والتخلف والاضطرابات والحروب.

لكنه اليوم بدأ يستيقظ، بتطور العلم الحديث والسرعة المذهلة التي سار فيها. بل لا بد له ان يستيقظ. فالعلم والتكنولوجيا والصناعة لم تعد تلك المادة المهانة المحتقرة، كما كانت عند اليونانيين، يوم كان الفكر المجرد، هو المقدس وهو الاعلى، كما سنوضح ذلك لاحقاً.

العلم اليوم هو السيد ـ سيد العصر.. من هنا لابد ان تأخذ المادة العلمية التراثية مكانها المرموق في هذا العصر، فاذا قال علماء الضوء المعاصرون ان الرؤية تتم بواسطة سقوط الضوء على المرئي وارتداه إلى العين، خلافاً لما قاله ارسطو من ان المرئي هو الذي يرسل الضوء إلى العين، فاننا نؤكد ان ابن الهيثم المتوفي سنة 432 هجرية، سبق قول علماء الضوء المعاصرين بقرون طويلة، وقال بفكرتهم العلمية نفسها.

وإذا كان وليم هارفي، مكتشف الدورة الدموية الصغرى في القرن السابع عشر فان ابن النفيس كان قد اكتشفها قبله بقرون.

وإذا قال الفلكي كوبر نيكوس المتوفى سنة 1543 بمركزية الشمس بدل مركزية الارض في القرن السادس عشر الميلادي، فان العالم نصير الدين الطوسي وجماعته في مرصد مراغه، والعالم الفلكي ابن الشاطر كانوا الممهدين لفكرة

_________________________________

1- راجع في هذا الصدد كتاب «المستشرقون» لنجيب عقيقي في ثلاثة اجزاء، دار المعارف بمصر، وراجع أيضاً كتاب «موسوعة المستشرقين» للدكتور عبدالرحمن بدوي، دار العلم للملايين.

 

مركزية الشمس الكوبرنيكية.. وهكذا. سبق علمائنا المسلمون، علماء العصر الحديث في كثير من الاكتشاف والتطور العلمي الراهن.

من هنا لابد ان يأخذ التراث العلمي الاسلامي مكانه الحقيقي. وهويته الصحيحة، فهو التراث الاهم بين تراث الحضارة كلها. انّه التراث الذي بنى العلم الحديث على اكتافه بناءه الذي تطوّر إلى ما تطوّر.

انّه تراث مهم جداً، وكثير جداً، ورائع جداً، ولكنه تراث مختبىء ومظلوم، لم يحقق منه سوى القليل، ولم يكتب عنه سوى شيء محدود.

انّه اليوم اكثر وضوحاً.. واكثر مشروعية.. فالعصر عصر علم والتراث العلمي، وان كان ينتمي إلى الماضي، لكنه في كل الاحوال ينتمي إلى العلم، فاذا ظهر فسيسانده العلم المعاصر، لانه منه وإليه وان اختلفت درجته ورتبته.

الروح المحركة

اي نوع من العلم يريد الإسلام؟ هل يريد العلم من اجل العلم نفسه؟ ام لاهداف اخرى ابعد من هذه الحدود الضيقة التي حصر العلم الحديث نفسه فيها؟

الذي لا شك فيه ان العلم الحديث جاء نتيجة ظروف واوضاع معينة محددة، جاء نتيجة الصراع الذي دار بين العلم والكنيسة، الصراع بين كنيسة حرّفت الدين المسيحي واستعاضت عنه بشبكة مقدسة من الخرافات والخزعبلات وتعاليم مشوهة بعيدة كل البعد عن الدين وعن العلم في آن واحد وبين علم جديد ناشىء غض دافع ما امكنه الدفاع عن الموضوعية والحقيقة العلمية المجردة وحين انتصر هذا العلم الوليد على اكبر قوّة في القرون الوسطى، استسبع وطغا وسطا على كل شيء، وعاش ردة فعل قوية جدا، وقف من خلالها مغروراً ضد اي معارض، مهما كان، حتى لو كان نظيفا مقدساً.

وامتدت حالة الفرية تلك إلى العلمانيين والملحدين وذوي الافكار الوضعية والى اليوم. هكذا كان العلم، ولا زال في الوقت الحاضر، حيادي في المظهر، لكنه غير ملتزم بالهدف.

تلك هي ظروف العلم، وفي ظل تلك الظروف، جاء فهم غير المسلمين للعلم. لقد آمنوا به ايماناً مطلقاً، ايماناً مخلصاً من الخرافات والشعوذات والدجل، التي عاشوها ووقعوا تحت وطأتها في بداياته، فنادوا بالعلم كمنقذ ومن ثم نادوا بالعلم من اجل العلم، بغض النظر عن اي فكر واية قيم، واياً كانت النتائج، حتى كان مدمراً قائلاً هداماً. فاذا ادت نتائجه إلى اشعاعات قاتلة وتفجيرات مدمّرة وما إلى ذلك، فلا علاقة للعلم بتلك النتائج، ما دام العلم للعلم. انّه حيادي لا ذنب له ولا يتحمل اية مسؤولية!!

لقد فصل الغربيون الدنيا عن الدين. فالعلم ـ في حساباتهم في واد والدين في وادي آخر، ولا علاقة بين الاثنين. وكانت النتائج سيئة ـ كما هو متوقع ـ اضرّت كثيراً، وأدت إلى الفوضى والنفعية والمصلحية. ولنستمع إلى احد المفكرين المعاصرين ليقول في هذا المعنى، «لقد واكبت النهضة العلمية والتعليمية في اوروبا عملية انفصال الدنيا عن الدين نظرا لظروف خاصة كانت سائدة في ذلك العصر.

لقد استمر هذا الهيكل القائم على المدلول المحايد للعلم عدة سنوات انتهت إلى نسبية الاخلاق ثم إلى الفوضى الاخلاقية، واصبحت المعرفة تقوم ـ بشكل متزايد ـ بوظيفة نفعية مصلحية، يحدد اهدافها غالباً التوزيع السائد والمسيطر للقوى الاجتماعية.

وصارت المعرفة والعلوم وسائل تسير ـ بصفة مستمرة ـ وراء غايات انتحلها لانفسهم هؤلاء الذين يملكون اكثر من غيرهم عوامل التأثير والسيطرة والنفوذ. واصبحت العلوم هي الادوات الاساسية للمناورات الاجتماعية ووضعت في خدمة الارباح.

لقد شُيّدت العلوم الحديثة ـ بطريق الخطأ ـ على قاعدة من الفصل بين الدين والدنيا وهي بذلك فقدت اساسها الاخلاقي»(1).

وغير ذلك المعرفة العلمية في الحضارة الإسلامية. هذه المعرفة نمت وازدهرت في ظل الايمان بالله الواحد الاحد، فأثمرت نظاماً متكاملاً للقيم الإسلامية وعملت ـ بشكل دائم ـ على ايجاد التكامل بين المقدسات الدينية الثابتة، وبين المتغيرات الدنيوية الفانية.

فالتطبيق الاسلامي لمنجزات العلم والمعرفة موظف دائماً لصالح الاهداف التي تتفق ومشيئة الباري الخالق عز وجل.

وبناءً على ذلك لا يعدّ العلم غاية لذاتها، وانما هو مجموعة من الوسائل التي ترمي إلى تحقيق غايات اخلاقية وروحية سامية، لا تضم بين نسيجها ـ باي شكل من الاشكال ـ تجريداً أو اختلالاً أو انسلاخاً من طبيعتها الإنسانيّة.

ان ايّ علم لا يقوم أو لا يستطيع ان يقوم بحل مشاكل الناس الحياتية، أو لا يساعد الإنسان على ازديادمعرفته بربه الخالق الاحد، هو في الحقيقة ليس علماً، أو علماً ناقصاً مبتوراً

لقد جاء الإسلام ومنح اكتساب المعرفة ونشرها وتقديمها روحاً وضميراً واخلاقاً. والتاريخ الاسلامي خير شاهد على ذلك. فالفكر الفلسفي والعلمي في الإسلام كان لهما ـ ابان عصرهما الذهبي ـ قاعدة اخلاقية دينية.

وحين جاء عصر النقل والترجمة في القرنين الثالث والرابع الهجريين، ترجم الكثير من المؤلفات العلمية الاجنبية (الدنيوية)، يونانية وهندية وفارسية وغيرها من العلوم النافعة. وفي نفس الوقت استبعدت المعارف والعلوم التي كان يمكن ان تحدث بلبلة، وضرراً على الإسلام والمسلمين. ويلاحظ الباحثون، مع كثير ما نقله النقلة عن اليونان، لم يتعرضوا لشيء من كتبهم التاريخية أو الادبية أو الشعرية، فلم ينقلوا تاريخ هيرودتس ولا جغرافية استرابون، ولا الياذة هوميروس ولا اوذيستيه(2).

ويذكر جرجي زيدان، ان من جملة اسباب امتناعهم عن النقل هو ذكر الآلهة والاصنام في الالياذة(3).

وما ترجم وما نقل وما كتب وابدع تحوّل إلى وحدة واحدة، سبيكة علمية (معجونة) بالدين الاسلامي، فصارت العلوم اسلامية، انبثقت من صميم تفكير المسلمين.

_________________________________

1- مجلة المسلم المعاصر، العدد 35، ص 38، اصدار مؤسسة المسلم المعاصر بيروت.

2- تاريخ التمدن الاسلامي، جرجي زيدان ج3 ص 182، دار الهلال بمصر بدون تاريخ.

3- المصدر السابق ج3 ص 183.

 

وبعكس ذلك كان الغرب، فحين اخذ الغربوين منا علومنا ونقولها إلى بلادهم، وترجموها إلى لغاتهم، اخذوها مبتورة، اخذوا الجانب المادي وحده وتركوا جانب الايمان الذي يوجّه العلوم نحو الاهداف الالهية ويسخرها لخدمة البشرية.

وبهذه الانتقائية (المضادة)، رجعت العلوم إلى غايتها، العلم للعلم والمعرفة للمعرفة، رجعت إلى ما كان سائداً في اليونان، بعيداً عن الروح والقواعد الاخلاقية اللازمة (مع الاخذ بنظر الاعتبار الفارق الزمني التطوري بين اليونان والغرب الحديث)، كان العلم اليوناني مقصوراً على طبقة معينة من الناس، وكان يحتقر الاعمال اليدوية والعملية، وان كان نفعها اكبر، كما في الطب مثلاً. وكان علم الكيمياء محتقراً أو في طبقة دنيا العلوم، يذكر ياقوت الحموي: «ان المعاريج التي بالاسكندرية مثل الدرج كانت مجالس العلماء يجلسون عليها على طباقتهم فكان اوضعهم علماً الذي يعمل الكيمياء من الذهب والفضة، فان مجلسه كان على الدرجة السفلى»(1).

هكذا كانت النظرة إلى المعرفة العلمية، لم تراع فيها المنفعة العامة، بل كان الذات والمنفعة الخاصة قبل كل شيء.

لقد تميزت المعرفة العلمية في الحضارة الإسلامية بعدة ميزات، لم تكن في الحضارات التي سبقت الإسلام فحينما كان العلم في الحضارات القديمة، البابلية والمصرية وغيرها مقصوراً على الكهنة ورجال الدين وارباب المعابد دون غيرهم من طبقات الناس، وكان العلم في الحضارة اليونانية مقصوراً على طبقة خاصة من الناس ـ كما ذكرنا ـ جاء الإسلام ليقول: ان العلم لكل الناس لا فرق بين السيد والمسود والغني والفقير والعابد وغير العابد، انّه ملك شائع لكل من يريده.

وفي نفس الوقت قامت هذه المعرفة على عدة دعائم، يمكن ان نذكر منها:

انّه كان علماً توحيدياً، اتخذ عقيدة التوحيد نقطة الانطلاق، لتكون حجر الزاوية في رؤية الإنسان الصائبة لحقائق الحياة والفكر والوجود.

فالله ـ تعالى ـ هو الحق المطلق، وهو مصدر كل الحقائق التي امرنا هو بالبحث عنها واستقرائها. وفي هذا الفكر التوحيدي يصبح المفهوم الاسلامي للعلم اوسع واشمل من المفهوم الشائع لدى فلاسفة العلم على اختلاف مذاهبهم.

ففي الإسلام علم ظاهر يحققه الإنسان بحواسه وعقله وامكاناته المادية المختلفة في المرحلة التي يعيشها من التاريخ البشري الطويل. وهناك علم آخر يحتفظ به الله تعالى لنفسه، لا يطلع عليه احد الا من شاء من خلقه قال تعالى في محكم كتابه الكريم، (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احداً الا من ارتضى من رسول) (الجن 26 ـ 27).

ان المعرفة العلمية الإسلامية القائمة على اساس التوحيد لا تفصل بين العلم والغاية، وهذا يعني ان الغاية هي هدف اساسي في هذا العلم، فهناك حقيقة وحكمة (نظيفة) يسعى من اجلها، لانه يقبل اية غاية يصل اليها. ان الغاية إذا تناقضت مع علم معين فلابد ان يرفض ذلك العلم. وقد ورد ان النبي(ص) كان يتعوذ من علم لا ينفع.

ان المقياس هو الضرر وعدم النفع والفائدة، ولا مانع ان يكون دنيوياً من حيث علاقاته مع الاشياء. ومن هنا يمكن القول: ان العلم في الإسلام دنيوي في علاقاته مع الاشياء، وديني مقدس لصلته بالخالق الواحد الاحد عز وجل.

_________________________________

1- معجم البلدان، ياقوت الحموي، ج1 ص 186، دار صادر، بيروت سنة 1979.

 

واضافة إلى دعامة كون المعرفة العلمية في الإسلام توحيدية تردُّ كل شيء إلى الله عز وجل، ارتبط بدعامة اخرى:

هي الانطلاق من النظرة إلى النظام والانسجام والتناسق الدقيق الذي تجلى هذا الكون، وما بث الله فيه من قوانين ونواميس وشبكة دقيقة من العلاقات.

ولا شك ان الانطلاق من هذه الدعامة، بحثاً عن قوانين الهية في الكون يضفي على المؤمن الاطمئنان والثقة لمواصلة البحث والنظر، وهما امران لازمان للبحث. وبموجب هذين الامرين سيتخلص العلماء والباحثون المؤمنون من التخبط في الظلام بلا دليل، كاللجوء إلى الطبيعة أو العقل أو المصادفة وما إلى ذلك من التصورات التي وقع تحت طائلها الكثير من الفلاسفة والمفكرين، وخربّت عقولهم.

ومن الانطلاق من دعامتي التوحيد والنظام اللذين وسما المعرفة العلمية الإسلامية، يمكن التأكيد على ان النتائج العلمية التي يصل اليها العلماء المسلمون من خلال منهجهم العلمي التجريبي، هي احتمالية وليست ضرورية قطعية مئة بالمئة.

وقد صرح في هذا المجال اكثر من عالم مسلم، ويمكن ان نذكر منهم: جابر بن حيان المتوفي في حدود 200 هجرية الذي اعتبر التجربة اساساً مهماً في دراسة العلوم الطبيعية والكيميائية، لكنه ادرك عن وعي ان نتائج التجربة لا تضمن اليقين المطلق. والا ترتب على ذلك ان تكون نتائج العلم مطلقة ونهائية. يقول جابر في كتاب التصريف «ليس لاحد ان يدّعي بالحق انّه ليس في الغائب إلاّ مثل ما شاهد، أو في الماضي والمستقبل إلاّ مثل ما في الآن»(1).

ويمكن ان نذكر ايضاً تحذير ابن الهيثم من الافراط في الثقة بنتائجه يقول، «نجتهد بقدر ما لنا من القوة الإنسانيّة. لعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر»(2).

الابداع الحاسم

من التهم العريضة التي الصقت بالحضارة العلمية الإسلامية، انها حضارة مقلدة، أو ناقلة، ترجمت علوم اليونان إلى اللغة العربية، ايام حركة النقل الواسعة التي ابتدأت بالعصر العباسي. وبهذه التهمة (افرغوا) الحضارة الإسلامية من محتواها الابداعي، ونظروا اليها رقماً حضارياً علمياً عادياً بين حضارات التاريخ، أو اقل من ذلك.

فالفلك فلك بطليموس، والهندسة هندسة اقليدس والطب طب ابقراط وجالينوس، وما إلى ذلك. واشاحوا بوجوههم عن الخوارزمي العالم الرياضي الذي فصل ـ ولاول مرة ـ بين علم الجبر والحساب(3).

وعن ابن الهيثم صاحب النظرية العلمية في البصريات والتي صححت نظرية بطليموس ـ كما مر، وعن قياس

_________________________________

1- منهج البحث العلمي عند العرب في مجال العلوم الطبيعية والكونية، جلال موسى ص 134، دار الكتاب اللبناني 1988.

2- المناظر، الحسن بن الهيثم، تحقيق د.  عبدالحميد صبره، ص 62، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت 1983.

3- العلوم عند العرب، قدري حافظ طوقان ص 104، دار اقرأ، بيروت 1983 ط2.

 

المسلمين في القرن الثالث الهجري لمحيط الأرض، ذلك القياس العلمي الدقيق، الذي فاق كثيراً قياسات اليونانيين(1). والكثير الكثير من الانجازات، سنأتي على ذكر بعضها لاحقاً.

وهنا لانريد ان ندخل في تفاصيل الرد على هذه التهمة (تهمة النقل والترجمة) كي لا نخرج عن موضوع بحثنا. ولكن من المناسب ان نذكر ما ورد في موسوعة رينه تاثون (تاريخ العلوم العام)، من تأكيد يناقض ذلك الادعاء الفارغ (حضارة الإسلام مقلدة ناقلة) جاء فيه: «نستطيع ان نستخلص فنقول ان العرب قدموا أكثر من نقل العلم، لقد ايقظوا المحبة له، ووعوه، ودربوا ذهنهم النقدي، وشرعوا في تمحيص المفاهيم اليونانية بالتجربة. وميلهم الحديث جداً إلى تطوير التقنيات والتطبيقات العملية، قد ساعدهم كثيراً»(2).

وهنا ينبغي الاعتراف، اننا لا نستطيع ان ننكر ما للعقل اليوناني من دور علمي كبير في تاريخ العلم، وما اسداه للبشرية من خدمات معرفية جليلة، وفي نفس الوقت نستطيع ان نقول ما يشبه هذا الكلام في حق العلم البابلي والعلم المصري والصيني والهندي والفارسي (مع الاخذ بنظر الاعتبار الفوارق الزمنية بين الحضارات). فكل الحضارات قدّمت خدمات في مجال أو اكثر من مجالات المعرفة. واللاحق اخذ من السابق. وامتزج الكل في صلب واحد وهذا لا يمنع ان نميّز العلم اليوناني عن غيره، وانّه اطّر ما اخذه من سابقيه، في نظريات سابقة لعصرها، صاغها طاليس وديمقريطيس وارسطو ابقراط واقليدس وجالينوس وبطليموس وامثالهم.

وكل الحضارات خلّفت ما انتجت عقول ابنائها من مادة علمية، وان اختلفت هذه المادة من حضارة إلى اخرى، حسب درجة تطور كل واحدة من الحضارات. خلّفتها بشكل مباشر للحضارة اللاحقة، القريبة منها زمنياً، كما في حالة انتقال الكثير من التراث العلمي اليوناني إلى الحضارة الإسلامية (عن طريق مدارس الاسكندرية وانطاكية وجنديسابور وحران والرها ونصيبين وغيرها من المدارس التي بقيت بعد زوال الحضارة اليونانية الام). أو بشكل غير مباشر، من خلال الحضارة اليونانية نفسها، كما في حالة انتقال الكثير من العلم البابلي والمصري القديم والهندي وغيره، عن طريق هذه الحضارة، القريبة من الحضارة الإسلامية زمنياً، فيذكر ان كثيراً من العلماء والفلاسفة اليونانيين ذهبوا إلى بلاد الرافدين وبلاد النيل. وقد انصف هيروتس الملقب بابي التاريخ هذه الحضارات عندما قال ان معظم فلاسفة الاغريق القدامى امضوا جانبا من حياتهم في مصر وبلاد النهرين(3).

لقد طورت كل حضارة ما وصل اليها من مادة، وحين وصلت المادة العلمية المتراكمة إلى الحضارة الإسلامية، لعبت الشروط الخاصة لهذه الحضارة لعبتها في دفع عجلة العلم إلى نقطة لم يعهدها العلم نفسه في تاريخه القديم كله، تذكر المستشرقة الالمانية سيغريد هونكه: «لقد طور العرب، بتجاربهم وابحاثهم العلمية، ما اخذوه من مادة خام عن الاغريق، وشكّلوه تشكيلا جديدا، فالعرب في الواقع، هم الذين ابتدعوا طريق البحث العلمي الحق القائم على

_________________________________

1- التراث الفلكي عند العرب والمسلمين وأثره في علم الفلك الحديث، عبدالامير المؤمن ص 135 معهد التراث العلمي / جامعة حلب سنة 1992.

2- تاريخ العلوم العام، اشراف رينيه تاثون ص 516.

3- تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، عبدالحليم المنتصر ص 3.

 

التجربة»(1).

وهنا يكمن سر الابداع الذي تميز به العلم الاسلامي عن العلوم السابقة، انّه حالة فريدة، لم تأت على مثال سابق، تكوّن من مجموعة عوامل يقف في طليعتها الدور التغييري الذي اداه القرآن الكريم. وهنا نقتطع مما ذكرنا في كتابنا (التراث الفلكي..) حول هذه النقطة: «لقد تميّزت حضارتنا الفلكية بميزات فريدة. لم تكن متوفرة في اليونانية ولا اية حضارة قبلها. فالحضارات الفلكية القديمة، وخاصة البابلية، تميزت بكثرة الارصاد، لكنها افتقرت إلى الاستنتاجات العقلية واستخلاص نظريات فلكية محددة. اما الحضارة الفلكية اليونانية، فقد اهتمّت اكثر ما اهتمّت بالنظر العقلي المجرد، والاشكال المتناسقة، البعيدة عن الواقع الرصدي فجاء علمهم نظريا فكريا.

وجاءت الحضارة العربية الإسلامية، ووضعت العلوم في موضعها الصحيح فاستخدمت في الفلك طريقة جمعت بين الاثنين الواقع الرصدي. واستنتاج النظريات والقوانين العلمية.

ولم تأت هذه الطريقة الجديدة من عدم، ولا من تطور مباشر للخطين البابلي واليوناني والجمع بينهما، هناك عوامل سرية مهمة ساهمت باشكال متعددة، وبدرجات متفاوتة في الاندفاع نحو هذه الطريقة العلمية الصحيحة.

وفي طليعة هذه العوامل، النقلة الحضارية التي حدثت بنزول القرآن الكريم وانتشار التعاليم الإسلامية في الجزيرة العربية ومن ثم انتقالها إلى اقطار اخرى.

فالقرآن بما حمل من معان حضارية جديدة لعب دوراً تغييرياً كبيراً، وعلى مختلف الاصعدة، لذلك يمكن ان نعدّه اصلاً وأباً لعدد من العوامل ساهمت في الاندفاعة السريعة نحو العلم بشكل عام وتطور علم الفلك بشكل خاص»(2).

ومن خلال تعاليم القرآن الكريم ووعيه بالدرجة الاولى، والاحتكاك بالحضارات الجارة، والتفتح العقلي الجديد وعوامل اخرى بالدرجة الثانية، استخدم المسلمون ـ ولاول مرة في التاريخ ـ المنهج العلمي الصحيح في دراسة العلوم. فلم يقبل العلماء المسلمون ما ورثوه من القدماء دون نقد أو تمحيص، لم يقبلوا بالتقليد الاعمى، ورائدهم في ذلك الاية الكريمة التالية: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما الفينا عليه آباءنا اولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) (البقرة ـ 170)، وامثالها.

ومن خلال القرآن الكريم ايضاً، ادركوا ان الطريقة المثلى للحصول على مادة علمية صحيحة، هي النظر إلى الاشياء بشكل مباشر، واستقرأوها ومتابعتها، قال تعالى: (افلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت والى الارض كيف سطحت) (الغاشية 17 ـ 20). وهذا التتبع والاستقراء غير كاف، ولابد من الاستنتاج واستخراج المعاني العامة والمفاهيم وصياغة القوانين، فأكد القرآن الكريم على الاعتبار، (فاعتبروا يا اولي الابصار) (الحشر ـ 20)، استنتجوا، لا تجمدوا على المفردات المنظورة والمسموعة.

كتاب مقدس يحثُّ على هذه الامور لابد ان يكون دافعاً قوياً للمسلمين للاتجاه نحو المنهج الصحيح في دراسة المادة والاشياء، وهكذا غرس القرآن الروح العلمية الحقيقة في النفوس والعقول، فانتج العالم الكيميائي جابر بن حيان

_________________________________

1- شمس العرب تسطع على الغرب، هونكه، ص 1ـ4.

2- التراث الفلكي عند العرب والمسلمين واثره في علم الفلك الحديث، عبدالأمير المؤمن ص 7.

 

الكوفي، والعالم الرياضي البيروني والعالم الرياضي الفيزيائّي ابن الهيثم والعالم الطبيب الرازي وغيرهم الكثير.

وهنا لابد ان نذكر اكبر من مثّل المنهج العلمي في الحضارة الإسلامية، كمثال للعالم المبدع، ذلكم هو العالم الفيزيائي ابن الهيثم، الذي استخدم ذلك المنهج وابدع من خلاله نظريات علمية سبقت عصره. ففي كتابه (الشكوك على بطليموس) يرفض التقديس الاعمى للعلماء، كما في تقديس بطليموس العالم، على انّه فذ لا يمكن الخروج عليه وعلى افكاره، يقول ابن الهيثم: «ان حسن الظن بالعلماء السابقين مغروس في طبائع البشر وانّه كثيراً ما يقود الباحث إلى الضلال، ويعوق قدرته على كشف مغالطاتهم وانطلاقه إلى معرفة الجديد من الحقائق وما عصم الله العلماء من الزلل ولا حمى علمهم من التقصير والخلل، ولو كان كذلك لما اختلف العلماء في شيء من العلوم ولا تفرقت اراؤهم في شيء من حقائق الامور»(1).

وفي كتابه الشهير الآخر، (المناظر) يعرض مراحل هذا المنهج بقوله: «ونبتدىء في البحث باستقراء الموجودات وتصفح احوال المبصرات ونميّز خواص الجزئيات، ونلتقط بالاستقراء ما يخص البصر في حال البصر، وما هو مطرد لا يتغيّر وظاهر لا يشتبه من كيفية الاحساس، ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب، مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزّه ولا ننتقده طلب الحق لا الميل في الاراء، فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين ونظر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات وما نحن، مع جميع ذلك، براء مما هو في طبيعة الإنسان من كدر البشرية، ولكنا نجتهد بقدر ما هو لنا من القوة الإنسانيّة، ومن الله نستمد المعونة في جميع الامور»(2).

وهكذا تكون حضارتنا الإسلامية، قد سبقت (روجر بيكون) الذي اقتبس جميع ما نسب إليه من نتائج علمية من الكتب العربية المترجمة إلى اللاتينية(3) وسبقت ايضاً المنهج الذي نادى به فرنسيس بيكزن في القرن السابع عشر، اي بعد حوالي عشرة قرون من نزول القرآن(4).

ان استخدام المنهج العلمي الصحيح، هو نقطة ابداعية غيّرت مجرى العلم في التاريخ. فبعد اكتشاف المسلمين واستخدامه على نطاق واسع، خرج العلم من سجنه الضيق وحدوده وقيوده وخرافاته القديمة، ودخل في قنوات ادت إلى قواعد متينة قام على اكتافها العلم الحديث.

فلم يعد ضرب المريض ليخرج الشيطان أو الجنّي من داخله وسيلة للشفاء من مرض يمكن تتبع اعراضه من خلال الاستقراء والتجارب والعمليات الجراحية ولم يعد التناسق والتكامل والجمال الذي قال به افلاطون، وسيلة لفهم الكون ومفردات الكون ان فهم الكون ومفرداته يتم في حضارتنا الإسلامية من خلال المرصد واجهزته الفلكية المتنوعة. وفي العلوم الاخرى استخدمت مناهج علمية مماثلة. وبهذه المناهج قدّمت حضارتنا اروع الانجازات العلمية في العصور الوسطى.

_________________________________

1- الشكوك على بطليموس، الحسن بن الهيثم، تحقيق د.  عبدالحميد صبره ود.  نبيل الشهابي7 ص 3، دار الكتب، مصر سنة 1971.

2- المناظر، الحسن بن الهيثم، تحقيق د.  عبدالحميد صبره ص 62.

3- ابحاث الندوة العالمية الاولى لتاريخ العلوم عند العرب ج1 ص 56، معهد التراث العلمي العربي، جامعة حلب 1977.

4- التراث الفلكي عند العرب والمسلمين واثره في علم الفلك الحديث ص 11.

 

واضافة إلى المنهج العلمي كنقطة ابداعية اساسية كبرى. هناك قنوات ابداعية انتظمت في مجموعة علوم مهمة.. كانت الصورة الاوضح لسمة الابداع في الحضارة الإسلامية. كان الطب الاسلامي والفلك والفيزياء والرياضيات والجيولوجيا والحيوان والنبات والكيمياء والصيدلية وو..، وكان وراءها علماء كبار عالميون، الكندي والخواروزي والبتاني والبيروني وجابر بن حيان وابن سينا والرازي والزهراوي والطوسي وابن الشاطر والكاشي وغيرهم.

كانت تلك الاسماء والكثير الكثير غيرها رموز العلم في الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، وهي اسماء تقابل رموز العلم الحديث في الوقت الحاضر امثال غاليلو وكبلر ونيوتن واينشتاين وغيرهم.

لقد قدّم العلماء المسلمون الكثير من الانجازات العلمية، ويمكن للقارىء ان يتصفح كتب تواريخ العلوم المطبوعة(1) ويعثر على تفاصيل منظمة عنها وهنا نذكر بعضاً من تلك الانجازات:

- في الرياضيات: اسهم المسلمون في العلوم الرياضية، وبرعوا فيها، واضافوا اضافات مهمة اليها، فقد اطلعوا على حساب الهنود، واخذوا عنهم نظام الترقيم واستخدموه واصبح الحساب امراً في متناول اي من كتبة المخازن وانتقلت الارقام إلى الاندلس، ومن هناك إلى اوروبا، وعرفت باسم الارقام العربية.

وعرفوا ايضاً الصفر واستعماله، واخترعوا الكسور العشرية قبل اوروبا.

وقد برز محمد بن موسى الخوارزي ـ المذكور آنفاً ـ كمؤسس لعلم الجبر، والكلمة مأخذوة من كتاب (الجبر والمقابلة) الذي الفه الخوارزمي في القرن الثالث الهجري. وقد نقل الكتاب إلى اللاتينية. والحضارة الإسلامية هي التي وضعت (علم المثلثات) بشكل مستقل عن الفلك. ولها الفضل في ابتداع (علم التفاضل والتكامل) وكان لهذا العلم اثره في تقدم الرياضة والطبيعة في عصرنا الراهن.

- في مجال علم الفلك صحح المسلمون اخطاء استاذهم بطليموس، وقاموا بارصاد جمة، وبنوا مراصد كثيرة، واخترعوا آلات رصدية متنوعة، وبفضل هذه الآلات توصلوا إلى كنوز من الحقائق الجديدة، فكانت السنة في حساب البتاني 365 يوماً و5 ساعات و46 دقيقة و24 ثانية وهي تنقص عنها في حساب اليوم دقيقتين وثلاثاً وعشرين ثانية. وتنبأ المسلمون بكسوف الشمس وخسوف القمر بدقة تثير الاعجاب، واثبتوا كروية الارض واحتملوا دورانها. وتوصلوا إلى تقدير محيط الارض بـ41248 كيلومتراً اي بزيادة قليلة عما هو في تقدير المعاصرين من الفلكيين في الوقت الراهن.

وعرفنا مؤخراً ان الاعمال الفلكية التي قام بها نصير الدين الطوسي ومؤيد الدين العرضي وقطب الدين الشيرازي وجماعتهم في مرصد مراغه، الفلكي السوري ابن الشاطر، كانت مقدمات ضرورية لثورة كوبرنيكوس المتوفي سنة

_________________________________

1- من تلك الكتب نذكر على سبيل الاجمال، حضارة العرب، غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر.  والعلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي، الدوميلي: ترجمة عبدالحليم النجار، ومحمد يوسف موسى.  والعلوم عن العرب، قدري حافظ طوقان، وتاريخ العلوم عن العرب، د.  عمر فروج والجامع في تاريخ العلوم عند العرب، د.  عبدالرحمن حربحا، وأثر العرب في الحضارة الاوروبية، جلال مظهر، وتاريخ العلم ودور العلم العرب في تقدمه، عبدالحليم المنتصر، وشمس العرب تسطع على الغرب، سيغيد هونكه، ترجمة فاروق بنضون وكمال سوفي، والعلوم الطبيعية عند العرب، ياسين خليل.  دراسات في تاريخ العلوم عن العرب، عبدالرحمن حكمت نجيب وغيرها الكثير من الكتب.

 

1543م التي احلت الشمس محل الارض في مركز الكون. فقد وضع هؤلاء هيئات فلكية جديدة تبين انها حلقة لازمة لنضوج نظرية مركزية الشمس الحديثة.

- وفي البصريات والفيزياء: قلب العالم ابن الهيثم الاوضاع القديمة في هذا العلم وانشأ علم الضوء الحديث، فكان اول من قال ان الرؤية تتم بواسطة الاشعة المنبعثة من الجسم المرئي باتجاه البصر، وليس من خلال اشعة تنبعث من العين إلى الجسم المرئي كما قال بطليموس من قبل وقد ذكرنا ذلك من قبل.

وعرف ابن الهيثم ايضاً ان الضوء الذي يشرق من جسم ينفذ في الجسم الشفيف على استقامته، ولكنه سرعان ما ينعطف إذا ما كان في طريقه جسم يختلف عنه من حيث الكثافة فلا ينفذ على الاستقامة التي كان عليها في الجسم الاول. واخيراً ومن تجارب ابن الهيثم الكثيرة مهد هذا العالم إلى اختراع آلة التصوير.

اضافة إلى ذلك تحدث اكثر من عالم عن الجاذبية الارضية، ومنهم ثابت بن قرّه والبيروني والخازني وغيرهم. وتحدثوا ايضاً عن امور فيزيائية كثيرة اخرى يطول ذكرها في هذا المجال الضيق.

- وفي الكيمياء: اجريت تجارب متقدمة وقطعت اشواطا اكبر مما عرفه الاغريق، وبرز عدد من الكيميائيين، من ابرزهم جابر بن حيان، الذى اجرى عدداً من التجارب العلمية على المواد العضوية الحيوانية والنباتية. وسجّل ملاحظاته وتجاربه التى ادت إلى تحضير الفولاذ وتصفية المعادن الاخرى.

وعرف المسلمون ايضاً التقطير والترشيح والتصعيد والتذويب والتبلور والتكليس، وهم اول من استحضر حامض الكبريتيك وحامض النتريك وماء الذهب والصودا الكاوية وكربونات الصوديوم وحصلوا على الزرنخ والاثمد من كبريتيدهما.

وكان ابو منصور موفق، اول كيمياوي ميّز بين كربونات الصوديوم وكربونات البوتاس، وشرح أيضاً كيف يعطي الجص إذا سخن نوعاً من الكلس لتضميد كسور العظام، وتعرف هذه المادة اليوم بجص باريس وتستخدم كثيراً في الصناعة وخاصة صناعة القوالب.

- وفي الطب اخذ المسلمون من الاغريق النظريات الطبية التي تشكل قاعدة ثابتة لعلاج المرضى، الا ان الاطباء المسلمين امتازوا على الاغريق بالتركيز على الجانب العملي بدلا من الجانب النظري في العلاج الطبي وقاموا بكثير من الاكتشافات الطبية.

وكان لهم الفضل الكبير في فصل الجراحة عن الطب وفي انشاء المستشفيات، وفي الترخيص الشرعي لممارسة الطب والصيدلة، وقد شهد بتقدم الطب الاسلامي عدد كبير من العلماء والباحثين الغربيين يقول (وليم اوسلر) «وبلغت مهنة الطب عندهم اثناء القرن الثامن إلى الحادي عشر للميلادي من المكانة والاهمية ما لا نجد له مثيلاً في التاريخ..»(1).

وكان للمسلمين السبق في اكثر من مجال في حقل الطب، فكان الطبيب الرازي المشهور اول من ميّز بين مرضي الجدري والحصبة، وذلك في كتابه «في الحصبة والجدري». اما كتابه الشهير «الحاوي» فيعد موسوعة طبية يلخص فيه معارف الاغريق والفرس والهنود في الطب، ويضيف بعدها ملاحظاته الشخصية.

_________________________________

1- العلوم عن العرب، قدري حافظ طوقان ص 18.

 

- وفي الصيدلة، وضع المسلمون اسس علم الصيدلة، وهم اول من انشأوا مدارسها واستنبطوا انواعاً من العقاقير، وامتازوا في معرفة خصائصها وكيفية استخدامها لمداواة المرضى، كما اعطوا من النبات مواد كثيرة للطب والصيدلة.

- وفي علم النبات برز اسم العالم ابن البيطار المتوفي سنة 646 هجرية الذي ارتحل إلى شمالي افرييا والى سوريا باحثاً في حياة النبات، وقد اشتهر من خلال كتابيه «المغني في الادوية المفردة» و«الجامع في الادوية المفردة» اللذين يبحث اولهما في المواد الطبيعية، ويبحث تأنيهما في الحيوان والنباتات، والمواد المعدنية ذات الخواص الطبية. وقد صب عنايته على المعلومات التي زوده بها سابقوه، ولكنه اضاف ثلاثمائة مادة جديدة إلى المواد المكتشفة سابقاً، وعددها: الف واربعمائة.

هذا قليل من كثير، ويمكن للباحثين ان يسجلوا الكثير من الانجازات التي وفرها لنا العلماء والباحثون في تاريخ العلم، فضلاً عن الابداعات الكثيرة التي ما زالت في بطون الكتب ولم تر النور لحد الآن.

نأمل ان يكون المستقبل كفيلاً بالكشف عن ابداعات يمكن ان تغيّر كثيراً من الحقائق، وان تضع تاريخنا العلمي في موضعه الصحيح من تاريخ العلم كله.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2007/10/19   ||   القرّاء : 8489